الشوكاني
256
فتح القدير
في قوله تعالى - وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا - وقد تقدم . وقوله ( اثنتي عشرة ) هو ثاني مفعولي قطعنا لتضمنه معنى التصيير ، وأسباطا تمييز له أو بدل منه ، و ( أمما ) نعت للأسباط أو بدل منه ، والأسباط جمع سبط : وهو ولد الولد ، صاروا اثنتي عشرة أمة من اثنى عشر ولدا ، وأراد بالأسباط القبائل ، ولهذا أنث العدد كما في قول الشاعر : وإن قريشا كلها عشر أبطن * وأنت برئ من قبائلها العشر أراد بالبطن القبيلة ، وقد تقدم تحقيق معنى الأسباط في البقرة ، وروى المفضل عن عاصم أنه قرأ ( قطعناهم مخففا ، وسماهم أمما ، لأن كل سبط كان جماعة كثيرة العدد : وكانوا مختلفي الآراء يؤم بعضهم غير ما يؤمه الآخر ( وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه ) أي وقت استسقائهم له لما أصابهم العطش في التيه ( أن اضرب بعصاك الحجر تفسير لفعل الإيحاء ( فانبجست ) عطف على مقدر يدل على السياق : أي فضرب فانبجست ، والانبجاس : الانفجار : أي فانفجرت ( منه اثنتا عشرة عينا ) بعدد الأسباط لكل سبط عين يشربون منها ( قد علم كل أناس مشربهم ) أي كل سبط منهم العين المختصة به التي يشرب منها ، وقد تقدم في البقرة ما فيه كفاية مغنية عن الإعادة ( وظللنا عليهم الغمام ) أي جعلناه ظللا عليهم في التيه يسير بسيرهم ويقيم بإقامتهم ( وأنزلنا عليهم المن والسلوى ) أي الترنجبين والسماني كما تقدم تحقيقه في البقرة ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) أي وقلنا لهم كلوا من المستلذات التي رزقناكم ( وما ظلمونا ) بما وقع منهم من المخالفة وكفران النعم وعدم تقديرها حق قدرها ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) أي كان ظلمهم مختصا بهم مقصورا عليهم لا يجاوزهم إلى غيرهم ( وإذ قيل لهم ) أي واذكر وقت قيل لهم هذا القول وهو ( اسكنوا هذه القرية ) أي بيت المقدس أو أريحاء ، وقيل غير ذلك مما تقدم بيانه ( وكلوا منها ) أي من المأكولات الموجودة فيها ( حيث شئتم ) أي في أي مكان شئتم من أمكنتها لا مانع لكم من الأكل فيه ( وقولوا حطة ) قد تقدم تفسيرها في البقرة ( وادخلوا الباب ) أي باب القرية المتقدمة حال كونكم ( سجدا ) أمروا بأن يجمعوا بين قولهم حطة وبين الدخول ساجدين ، فلا يقال كيف قدم الأمر بالقول هنا على الدخول وأخره في البقرة ؟ وقد تقدم بيان معنى السجود الذي أمروا به ( تغفر لكم خطيئاتكم ) جواب الأمر . وقرئ ( خطيتكم ) ثم وعدهم بقوله ( سنزيد المحسنين ) أي سنزيدهم على المغفرة للخطايا بما يتفضل به عليهم من النعم ، والجملة استئنافية جواب سؤال مقدر كأنه قيل : فماذا لهم بعد المغفرة ؟ ( فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم ) قد تقدم بيان ذلك في البقرة ( فأرسلنا عليهم رجزا من السماء ) أي عذابا كائنا منها ( بما كانوا يظلمون ) أي بسبب ظلمهم . قوله ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) معطوف على عامل إذ المقدر : أي أذكر إذ قيل لهم واسألهم ، وهذا سؤال تقريع وتوبيخ ، والمراد من سؤال القرية : سؤال أهلها : أي أسألهم عن هذا الحادث الذي حدث لهم فيها المخالف لما أمرهم الله به . وفى ضمن هذا السؤال فائدة جليلة ، وهي تعريف اليهود بأن ذلك مما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن اطلاعه لا يكون إلا بإخبار له من الله سبحانه ، فيكون دليلا على صدقه . واختلف أهل التفسير في هذه القرية : أي قرية هي ؟ فقيل أيلة ، وقيل طبرية ، وقيل مدين ، وقيل إيليا ، وقيل قرية من قرى ساحل الشام التي كانت حاضرة البحر : أي التي كانت بقرب البحر ، يقال كنت بحضرة الدار : أي بقربها . والمعنى : سل يا محمد هؤلاء اليهود الموجودين عن قصة أهل القرية المذكورة . وقرئ " واسألهم " وقرئ " سلهم " ( إذ يعدون ) أي وقت يعدون وهو ظرف لمحذوف دل عليه الكلام لأن السؤال هو عن حالهم وقصتهم وقت يعدون ، وقيل إنه ظرف لكانت أو لحاضرة . وقرئ " يعدون " بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال من الإعداد للآلة . وقرأ الجمهور " يعدون " بفتح الياء وسكون العين وضم الدال مخففة : أي يتجاوزون